ابن سبعين

182

أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها

الذين ليس شأنهم أن يلعنوا ؛ فهو صلّى اللّه عليه وسلّم شهيد الشهداء بما شهد من عين المشار إليه في إشارة قوله تعالى : وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ [ الحج : 78 ] . وفي هذا فشهوده عيان ، هذا المشار إليه في هذه الإشارة العظيمة هو سرّ شهادته ، كما قال تعالى : لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [ الحج : 78 ] ، فالناس مشهود عليهم ، والوسط الشاهدون شهداء على الناس ، واللّه أعلم . النور التاسع عشر وهو نور اللواحق : فما بعده من الآيات التي أخبر به ، وما أيضا في العالم من العجائب فهي له حتى فضائل أمته ، فإنها هي فضائله . فإن قلت : لا تحصر كراماتهم وعلومهم فقد قلت : لا نهاية لمعجزاته صلّى اللّه عليه وسلّم هو فإنه الأصل في ذلك . والذي يفيد الكرامة بتبعيته هو الكامل . حتى أن هذا النوع باتباعه يترجح على المعجزة الحاضرة معه ، فإن تلك بإزاء تكذيبه ولضرورة المعاند ، وهذه من عند اللّه على جهة الإكرام ثم هي أيضا مركبة بزيادة أمر محمود وهذا أظهر له صلّى اللّه عليه وسلّم أصل كل فضل وسعادة وعناية . * قلت : قال الشيخ الموصلي الكردي : قال الإمام نجم الدين عمر النسفي في « عقائده » : وكرامات الأولياء حقّ ، فتظهر الكرامة على طريق تقفّي العادة للولي من قطع المسافة البعيدة في المدة القليلة ، وظهور الطعام ، واللباس ، والشراب ، والمشي على الماء وفي الهواء ، وكلام الجماد ، والعجماء وغير ذلك من الأشياء ، ويكون ذلك معجزة للرسول الذي ظهرت هذه الكرامة لواحد من أمته ؛ لأنه يظهر بها أنه وليّ ، ولن يكون وليّا إلا وأن يكون محقّا في ديانته ، وديانته الإقرار برسالة رسوله مع الطاعة له في أوامره ونواهيه . قال الشارح سعد الدين : حتى لو ادّعى هذا الولي الاستقلال بنفسه وعدم المتابعة لم يكن وليّا ، ولم يظهر ذلك على يده ، وإذا ظهر فلا يكون كرامة بل استدراجا . والحاصل أن الأمر الخارق للعادة فهو بالنسبة إلى النبي معجزة سواء ظهر من قبله أو من قبل آحاد أمته ، وبالنسبة إلى الولي كرامة ؛ لخلوّه عن دعوى نبوة من ظهر ذلك من قبله .